الانترنت وقناة السويس المعلوماتية
الانترنت وقناة السويس المعلوماتية

لا يخفى على أحد في الوقت الحالي مدى أهمية الانترنت، ودورها المحوري في حياتنا المعاصرة، فعلى مستوى الأفراد، أصبح  الكثير من الناس حتى غير المتخصصين في مجال التكنولوجيا لا يستطيعون الاستغناء عن الانترنت بأي حال من الأحوال.

أما على مستوى الدول والكيانات الكبرى، فبلا شك أصبحت الانترنت صناعة يمكن لأي دولة الاستفادة منها اقتصاديًّا، وليس فقط معلوماتيًّا. ولكن هناك دول لديها من المقومات ما يمكنها من الاستفادة اقتصاديًّا من الانترنت بشكل يعود عليها بنفع أكبر من دول أخرى كثيرة حول العالم، ومن هذه الدول جمهورية مصر العربية.

فمصر التي هي من أوائل الدول في الشرق الأوسط إدخالًا لخدمة الانترنت سنة 1992. يمكنها الاستفادة بشكل كبير من الانترنت من الناحية الاقتصادية، ولكن هل فعلت ذلك؟ وكيف يمكنها أن تفعل؟ للإجابة على ذلك دعونا نلقي نظرة بسيطة على الانترنت، وكيف تعمل.

نشأت الانترنت في البداية كمشروع سري داخل وزارة الدفاع الأمريكية بغرض حماية شبكة الاتصالات، وربط المواقع العسكرية ببعضها البعض، ثم تطور الأمر ليمتد داخل الجامعات الأمريكية، ثم الطفرة الكبرى في تاريخ الانترنت عند اختراع «تيم برنردز لي» خدمة الويبworld wide web (www)  داخل معهد ثيرن سنة 1989، ثم انتشار الانترنت بشكلها  العالمي في 1991. ولكن كيف تعمل الانترنت؟

للتسهيل على القارئ فيمكننا القول بأن الانترنت هي عبارة عن شبكة كبيرة من أجهزة الكمبيوتر المتصلة ببعضها البعض على مستوى العالم، وعليها مجموعة من الخدمات «Global network of computers linked together». وأحيانًا نطلق عليها اسم شبكة الشبكات «Network of networks». وطالما أن هذه الأجهزة متصلة ببعضها حول العالم إذن يمكنها تبادل البيانات مع بعضها البعض. ولكن كيف تتصل هذه الأجهزة المتباعدة ببعضها؟ وكيف تنتقل البيانات بينها؟

توجد طريقتان لنقل البيانات حول العالم، إما عن طريق الساتلايت وهذه نسبة قليلة لا تتعدى 15%، أما نسبة 85% من انتقال البيانات عبر شبكة الانترنت فيكون عن طريق كابلات تسمى فايبر أوبتك «Fiber Optic» قابعة في قاع البحار والمحيطات، تربط العالم كله ببعضه البعض.

وعلى هذه الشبكة العالمية نوع من الأجهزة يسمى بالحاسبات الخادمة «Servers» محمل عليها خدمات معينة تقوم بإعطائها لأجهزة المستخدمين حول العالم، عند طلبها. فمثلًا موقع الإقتصادي فعليًّا مخزن على حاسب خادم ربما يكون في أمريكا أو في أي مكان في العالم. ولكي تتمكن من قراءة هذا المقال كان عليك أن تقوم بالضغط على رابط المقال حتى يظهر لك على شاشة جهازك. ما حدث فعليًّا أنه عند ضغطك على الرابط فقد أرسلت دون أن تدري طلبًا إلى الجهاز الخادم المخزن عليه الموقع، هذا الطلب عبارة عن مجموعة بيانات مفادها بأنك ترغب في فتح هذا المقال، وطالما أن المقال قد ظهر أمامك على الشاشة وتقرأه الآن، فمعنى ذلك أن الخادم قد استجاب لطلبك، وأرسل إليك البيانات المخزنة لديه، والمتمثلة في هذا المقال؛ فظهر بالفعل على جهازك. ورغم أنك لم تلحظ هذه العملية، إلا أنه قد تم بالفعل نقل هذه البيانات بينكما عن طريق هذه الكابلات بسرعة شديدة، ولكن بطريق غير مباشر.

فالبيانات قد خرجت من جهازك عبر خط التليفون الأرضي المقدم عليه الخدمة إلى الشركة مقدمة خدمة الانترنت «Internet Service Provider»، ثم إلى هذا الكابل البحري حيث مرت عبره البيانات حتى وصلت إلى الشركة مقدمة خدمة الانترنت للعملاء في الدولة الأخرى، ومنها إلى جهاز الخادم عبر خط التليفون الأرضي الخاص به في دولته. وكل هذا قد تم في ثوانٍ قليلة، ثم عادت البيانات في رحلة أخرى عكسية بنفس الطريقة حتى وصلت إلى جهازك. ولا تتعجب من ذلك لأن هذه الكابلات البحرية طبيعتها نقل كميات هائلة من البيانات بسرعات كبيرة جدًّا. وهنا تكمن الأهمية الكبرى، والتي يمكن استغلالها اقتصاديًّا.

كما شاهدنا من الشرح المبسط جدًّا لوظيفة هذه الكابلات مدى أهميتها في ربط العالم كله ببعضه البعض. ولكن ما علاقة هذا بمصر؟

جمهورية مصر العربية هي ثاني أكبر دولة حاضنة لكابلات الانترنت البحرية في العالم. والسر يكمن في «عبقرية المكان» كما وصف الراحل جمال حمدان جمهورية مصر العربية. فمرور هذا العدد الكبير من الكابلات في جمهورية مصر العربية يرجع إلى أنها تعد أفضل الأماكن في العالم جغرافيًّا لربط العالم كله ببعضه، وموقعها الجغرافي هو بمثابة نقطة محورية عالمية لنقل حركة الاتصالات بين الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب، وبالطبع كلنا نعرف ذلك من علمنا بأهمية قناة السويس لحركة التجارة في العالم كله.

هل يمكن استغلال ذلك بما يعود بالنفع الاقتصادي علاوة على النفع المعلوماتي على جمهورية مصر العربية؟

الإجابة نعم بكل تأكيد. فهذه الكابلات في أي مكان في العالم لا تمر في أراضي الدول أو مياهها بالمجان. فهناك عقود بملايين الدولارات تحصل عليها الدولة التي يمر بها كابل الانترنت الواحد، فما بالك بثاني أكبر موقع لمرور الكابلات في العالم، والتي يمر معظمها عبر قناة السويس. ولكن للأسف معظم العقود المبرمة لمد هذه الكابلات البحرية المارة في المياه المصرية وقناة السويس كانت في عهود الفساد السابقة، تحديدًا في حكومة عبيد ونظيف، فأبرمت بمبالغ أقل بكثير من المبالغ المتعارف عليها دوليًّا؛ بل يقال إن بعض الكابلات تمر مجانًا.

فلماذا لا تستفيد جمهورية مصر العربية من قناة السويس معلوماتيًّا بجانب الاستفادة منها بحريًّا؟ لماذا لا تستفيد من عبور البيانات المارة في قناتها العالمية، كما تستفيد من عبور السفن بها؟ كنا قد تفاءلنا جميعًا سنة 2014 عندما صرح م. عاطف حلمي وزير الاتصالات آنذاك بأنه سيتم الاستفادة من هذه الكابلات المارة في قناة السويس، ولكن لم نسمع بأي شيء بخصوص هذا الأمر منذ ذلك الوقت.

يقول خبراء الاتصالات إنه إذا تم تطبيق الأسعار المتعارف عليها دوليًّا على الكابلات المارة في قناة السويس، بالإضافة أيضًا إلى عمل عقود صيانة شهرية لهذه الكابلات، فذلك سيجعل دخل جمهورية مصر العربية من قناة السويس أضعاف دخلها الحالي، وسيدر عليها ملايين من الدولارات شهريًّا، ستكون كفيلة بإنعاشها واستقرارها اقتصاديًّا. خصوصًا أنه من المتوقع في ظل التطور التكنولوجي الرهيب الذي لا يتوقف أنه ستزداد مع مرور الوقت «حركة نقل البيانات» في قناة السويس أضعاف أضعاف «حركة السفن» فيها؛ مما يجعلنا نتعجب من عدم جعل قناة السويس المعلوماتية مشروعًا قوميًّا مصريًّا. علاوة على أنه أيضًا يحق لمصر الاستفادة من عقود الكابلات المارة عندها بطرق أخرى. فكما يقول خبراء الاتصالات إن رسوم مرور الكابلات في نيويورك مثلًا تتكون من عناصر عديدة منها الاستفادة من 10% من قدرة الكابل المار، وتخصيصه من أجل الاستخدام المجاني في مجالات التعليم، والصحة، والمكتبات، والأمن، بالإضافة إلى تحصيل 5% من إجمالي الدخل المتحقق من مرور الكابل. أيضًا هذا الأمر يعطي الفرصة لمصر لرفع كفاءة الانترنت بها بشكل أفضل بكثير من الشكل السيئ الذي عليه حال الانترنت في جمهورية مصر العربية الآن.

كما أنه لا يمكننا إغفال البعد السياسي المهم لهذا الموضوع، فكما نتذكر اهتمام العالم بإعادة افتتاح قناة السويس بعد إغلاقها لعدة سنوات بسبب الحرب، لما عانته التجارة العالمية من إغلاق القناة وقتها، فيجب أيضًا أن نتذكر اهتمام العالم سنة 2008 بحادث انقطاع الكابلات البحرية المارة بمصر، والذي تسبب في قطع اتصال الانترنت في الشرق الأوسط، والهند لعشرة أيام تقريبًا، وما ترتب على ذلك من خسائر كبيرة، حتى أن الكثير تحدث وقتها عن التخريب العمدي للكابلات، وهذا أمر طبيعي؛ لأن الحرب المعلوماتية الآن أصبحت لا تقل أهمية على الإطلاق عن الحروب العسكرية.

فهل سنسمع قريبًا عن قناة سويس جديدة حقيقية؟ هل سنسمع عن قناة سويس معلوماتية تكون بحق مصدر دخل دولاري ضخم للدولة المصرية؟ نأمل في ذلك.

المصدر : ساسة بوست